شغف العلم الذي لا ينتهي

والنجم إذا هوي 2 - ساينسوفيليا

 

 والنجم إذا هوي 2

بقلم:هبة رضا 
مراجعة علمية:د.دينا فراج


والنجم إذا هوي 2 - ساينسوفيليا

 كنا قد تحدثنا من قبل  عن ماهية النجوم وكيف تولد النجوم،ومرحلة التسلسل الرئيسي للنجم  ،ولمعان النجم. واليوم سوف نتعرف على   كيف تنتهي حياة النجم وتحديدا  نجمنا الشمس.                          

كيف ستنتهي حياة الشمس؟

 بعد 3 بليون سنة ستبدأ كمية الهيدروجين بالتناقص، وبذلك ينقص الإشعاع الناتج عن الشمس وتميل للتقلص. 
وإذا تقلصت الشمس بتأثير الجاذبية فإنها تؤدي إلى انضغاط الطبقات الداخلية وارتفاع درجة حرارة الشمس، في ذلك الوقت ستكون حرارة الشمس كافية لتؤدي إلى تبخر مياه المحيطات.

بعد 7 بليون سنة ستكون الشمس قد استهلكت كامل الهيدروجين الموجود في النواة، تتوقف التفاعلات النووية في النواة. 
وتتغلب قوة الجاذبية على قوة الإشعاع.
 يؤدي ذلك إلى انكماش الشمس على نفسها ولكن لا يزال هناك المزيد من الهيدروجين في الطبقات السطحية للشمس، حين تنكمش الشمس ترتفع درجة الحرارة بشكل سريع فيها، وتبدأ مرحلة جديدة من حياة الشمس لإحراق الهيدروجين الخارجي.

في هذه الحالة يحدث الإشعاع من جديد ولكنه يكون شديداً، ويترافق بانتفاخ الشمس وتمدد الطبقات الخارجية منها. والنتيجة الطبيعية هى أن درجة حرارة سطح الشمس سوف تنخفض مما يؤدي إلى تلونها باللون الأحمر عوضا عن الأصفر.

 لقد أصبحت الشمس في مرحلة العملاق الأحمر الذي يحرق الهيدروجين خارج النواة. يمتد هذا العملاق ليبتلع عطارد والزهرة، وربما الأرض، وتصل حدود سطح الشمس إلى مكان واقع بين مداري الأرض والمريخ .

ينتهي الهيدروجين الخارجي وتتوقف التفاعلات النووية، تتقلص الشمس بعنف بتأثير الجاذبية ويؤدي ذلك إلى توليد حرارة كافية لبدء التفاعلات النووية في النواة حيث يبدأ حرق الهليوم، وتنتفخ الشمس من جديد. وهكذا يحرق الهليوم ليتكون الكربون، ويستمر ذلك إلى أن تستنفذ الشمس كمية الهليوم الموجودة وتتوقف التفاعلات النووية إلى الأبد.

عند هذه المرحلة تنهار الشمس نحو المركز بعنف، ويؤدي ذلك إلى تحرر كمية هائلة من الطاقة.
 إن هذه الطاقة ليست كافية لبدء التفاعلات النووية في الكربون نظراً لصغر حجم الشمس نسبياً، ولكنها كافية لتحويل نواة النجم إلى مادة منحلة إلكترونياً، كما أنها تؤدي إلى تشكيل موجة صدمية تطلق الأجزاء الخارجية للنجم باتجاه المحيط لتشكل سديماً كوكبياً. 

وهكذا أصبح النجم بشكل قزم أبيض محاط بسديم كوكبي، ليخبو هذا القزم الأبيض خلال عدة مليارات من السنين متحولاً إلى قزم أسود.

الأقزام البيض " النجوم الخفيفة" :

يحدث للنجوم الخفيفة هى تلك التي تعادل كتلتها 4 – 0.4  من كتلة الشمس. 
لقد وصل النجم إلى مرحلة العملاق الأحمر وهو الآن يحرق ما تبقى لديه من هليوم داخل النواة وصولاً إلى الكربون، وينتشر الهيدروجين والهليوم على مسافة هائلة بعيداً عن النجم. 

وكما انتهى الهيدروجين من قبل فإن الهليوم سوف ينتهي، وهو الذي كان يدخل في تفاعلات الاندماج النووي المعقدة، وحين ينتهي تحويل الهليوم إلى كربون فإن التفاعلات النووية تتوقف فجأة في النواة، ويؤدي ذلك حسب المناقشة السابقة من جديد إلى تقلص النواة من جديد تحت تأثير جاذبيتها.

إن التقلص العنيف في النواة سيؤدي إلى إطلاق كمية كبيرة من الطاقة بتأثير الحرارة الناتجة عن التقلص، ولكن هذه الطاقة لن تكون كافية لحدوث المزيد من التفاعلات النووية لأن كتلة النجم التي تجمعت في النواة لا تكفي لدمج الكربون (باعتبار أنه نجم خفيف)، وبالتالي وصلنا إلى نقطة تتغلب فيها الجاذبية على الإشعاع، ويندفع النجم باتجاه المركز في حين أن الطبقات الممدة المحيطة به سوف تندفع نحو المحيط نتيجة موجة الصدمة.  فما هو مصير كل منهما؟

تنضغط المادة المتبقية في مركز النجم إلى حجم صغير جداً، وتنفصل الإلكترونات عن الذرات لتصبح المادة بشكل ذرات مجردة من الإلكترونات تدعى بحالة الانحلال الإلكتروني (electron degenerate)، ولكن هذه المادة تبقى مصدراً للطاقة بتأثير الحرارة المتولدة عن هذا الانكماش. لقد أصبح النجم في مرحلة القزم الأبيض (white dwarf) . 

وفي مخطط H-R   تكون درجة حرارة النجم أقل من درجة الحرارة المعتادة للنجوم خلال حياتها، كما أن الطاقة الإجمالية الصادرة عنه هى أيضا أقل، وبذلك فهو يقع في الناحية السفلية اليسرى من المخطط. أما خصائص القزم الأبيض فهى ما يلي:

 الكتلة 0.8  كتلة الشمس (لا يتجاوز1.4 من كتلة الشمس)، القطر 0.01 من قطر الشمس، القدر المطلق +11 ، ودرجة حرارة السطح 15000 درجة (مما يفسر اللون الأبيض). 

أما الطبقات الخارجية من النجم التي اندفعت في جميع الاتجاهات فهى تشكل سديماً كروياً كبيراً حول القزم الأبيض. 
وبنتيجة وجود القزم الأبيض في مركز هذا السديم فإنه يشع بتأثير الطاقة المتولدة عن بقايا النجم، ويظهر بشكل دائري حيث يدعى بالسديم الكوكبي  (planetary nebula)، وذلك لأنه حين رصد لأول مرة بالمناظير البسيطة كان يعتقد بأنه يشكل كوكباً .

والنجم إذا هوي ....نهاية حياة الشمس _ساينسوفيليا
"تتطاير مادة النجم المحيطة فجأة في الفضاء الخارجي مؤدية الي سديم كوكبي مثل:سديم عين القطة الشهير"

تقل حرارة القزم الأبيض مع الزمن لأنها ناتجة عن الحرارة المتولدة عن تقلصه وليس عن تقلصه وليس عن تفاعل نووي. وهكذا يموت القزم الأبيض ببطء ويخفت لونه بالتدريج ليصبح قزماً أسود (black dwarf)  لا حول له ولا قوة ولا حياة، ويختفي السديم المحيط به عن الأنظار بالتدريج. وبذلك تنتهي حياة الشمس وتنتهي معها الحياة الدنياوية ويبدأ عالم الأبدية.

سوف يتطرق سؤال علي فكرنا ماذا سيحل بالنجوم المتوسطة والثقيلة "النجوم النيوترونية والثقوب السوداء" ؟

سنتحدث الآن عن موت نجم تبلغ كتلته 4 كتل شمسية أو أكثر.
 وصل النجم إلى مرحلة العملاق الأحمر وبدأ بإحراق ما تبقى لديه من الهيدروجين والهليوم. 
يتشكل الكربون في النجم ويتراكم في النواة إلى أن ينتهي الهليوم، وهنا ينهار النجم باتجاه المركز تماماً كما في النجوم الخفيفة. 

ولكن كتلة النجم في هذه الحالة كبيرة، وبالتالي فإن الطاقة المتحررة عن انكماش النجم بعد استنفاذ الكربون تكفي لبدء تفاعل اندماج نووي جديد في النواة وحولها. تسير التفاعلات النووية في النجم من جديد وترتفع حرارته أكثر مؤدية إلى تشكل عملاق أحمر فائق (red supergiant). 
وهكذا يتشكل الأكسجين والسليكون ومركبات أخرى وتنتهي السلسلة عند الحديد. 
يعتبر الحديد من العناصر الثقيلة المستقرة، وحتى يدخل في تفاعلات اندماج نووي فإنه يحتاج إلى امتصاص الطاقة، على عكس تفاعلات الاندماج السابقة التي تصدر الطاقة. حين تستهلك المركبات هذه جميعها ويتشكل الحديد في مركز النجم تتوقف التفاعلات النووية فجأة. فما الذي سيحدث؟

في حالة النجوم الخفيفة يؤدي انهيار النجم إلى الانحلال الإلكتروني. أما في هذه الحالة فإن النواة أثقل بكثير حيث تستمر بالانهيار نحو المركز. 
يحدث الانهيار خلال أجزاء من الثانية ويؤدي إلى تشكل موجات صدمية في المركز تنتقل إلى المحيط بسرعة هائلة لتقذف مادة النجم المحيطية بقوة رهيبة. 

ويدعى بالمستعمر الأعظم (supernova)  الذي يتوهج لعدة أشهر مصدراً قدراً هائلاً من الطاقة قبل أن يختفي تدريجياً. 
أما المادة النجمية المتبقية في المركز فهى ستتحول إما نجم نيوتروني أو ثقب أسود.

يشكل المستعمر الأعظم supernova مصدرًا للمواد الكيميائية المختلفة في الكون. ففي بداية الكون تشكلت أول المجرات التي تحتوي على أول النجوم، ودعيت هذه النجوم من الجيل الأول لأنها لم تكن تحتوي إلا على الهيدروجين.

 وحين تحولت بعض هذه النجوم إلى مستعمرات عظمى فإنها نثرت المواد الكيميائية التي تكونت خلال مرحلة العملاق الأحمر في الفضاء، وساهمت هذه المركبات في تشكيل النجوم من الجيل الثاني (كالشمس) والكواكب التي شكلت حولها من السديم الأساسي.

والنجم إذا هوي ....نهاية حياة الشمس _ساينسوفيليا
"بقايا المستمر الأعظم"


النجم النيوتروني:

 حدث في النجم انفجار عنيف وتحول إلى مستعمر فائق supernova. فما هى المرحلة التالية؟ إذا كانت كتلة النجم تبلغ 10 – 4 كتل شمسية فإن الإلكترونات والبروتونات تتحد في نواة النجم لتشكيل النيترونات، وتدعى هذه الحالة بالانحلال النتروني (neutron degeneration ).ويصبح مركز النجم مشكلاً من النيترونات فقط وحصلنا الآن على نجم نيوتروني في المركز مع سديم كبير متسع باستمرار ناجم عن حطام النجم المتناثر في الفضاء.

يتميز النجم النيوتروني بصغر حجمه الشديد (يقدر ب 20 كم فقط)  نظراً لزوال الفراغ الموجود في الذرة وإن صغر الحجم يتطلب أن يدور النجم حول نفسه بسرعة هائلة للغاية (مئات الدورات في الثانية الواحدة)، وهذه السرعة سوف تترافق مع تشكل مجال مغناطيسي هائل قد يفوق المجال المغناطيسي الأرضي بترليون مرة. 

يتركز هذا المجال عند القطبين المغناطيسين للنجم وتستقطب فيه الجزئيات المشحونة حول النجم تماماً كما في الشفق القطبي. وتكون الأشعة الناتجة عن الاستقطاب هائلة، حيث تتألف من أمواج راديوية ذات طاقة كبيرة جداً إضافة إلى بقية طيف الأمواج الكهرومغناطيسية.

إذا كانت هناك مسافة كافية بين القطبين المغناطيسين للنجم الذين يتركز فيهما المجال المغناطيسي والقطبين الجغرافيين للنجم حيث يمر محور دوران النجم حول نفسه فإن النجم سيعمل كالمنارة البحرية، ويدعى بالنجم النابض (pulsar). 

يضئ هذا النجم السديم المحيط لآلاف السنين، ولكن دورانه يتباطأ تدريجياً مما يؤدي إلى نقص النبضات يختفي النجم بالتدريج مع ضعف السديم المحيط به، ويتناثر السديم مع الزمن حتى يصبح غير مرئي.

والنجم إذا هوي ....نهاية حياة الشمس _ساينسوفيليا
ومضات من الضوء والأشعة بسبب دوران النجم النيوتروني النابض حول محور مائل بالنسبة لمحوره المغناطيسي الذي تتجمع فيه الدقائق المشحونة بالطاقة  كالمنارة البحرية


الثقب الأسود:

إذا كان النجم كبير للغاية 10 –30   كتلة شمسية. في هذه الحالة تتجاوز كتلة الحطام المتشكل في مركز النجم بعد المستعمر الفائق 3 كتل شمسية، وتكفي هذه الكتلة للتغلب على قوة الانحلال النيوتروني، وتعمل القوة الجاذبة الهائلة على تقليص حجم المادة إلى الصفر لتتركز في مساحة صغيرة جداً ذات خواص فيزيائية مختلفة عن المعتاد، ويدعى ما تبقى من مادة النجم في هذه النقطة بالمتفرد (singularity)، وذلك بسبب خصائصه الفيزيائية الفريدة عما هو مألوف في عالم الفيزياء. 

وبذلك نكون تناولنا نشأت ومراحل النجم حتي الممات ويمكنكم الرجوع الي الجزء الأول للمقال لمعرفة  ولادة النجم https://www.sciencophelia.com/2020/09/blog-post_13.html.

والنجم إذا هوي ....نهاية حياة الشمس _ساينسوفيليا
"مراحل تطور النجوم على حسب كتلتها"

ندعوك لقراءة مقالنا السابق
 
والنجم اذا هوى 1 
https://www.sciencophelia.com/2020/09/blog-post_13.html

المراجع العلمية:

ليست هناك تعليقات