شغف العلم الذي لا ينتهي

العطور في الطبيعة - ساينسوفيليا


العطور في الطبيعة 


إعداد: هالة عاطف عبد الرؤف 

 مراجعة وتدقيق: د/محمد أمين البهنساوي

تعتبر العطور مكونات طبيعية في حياتنا اليومية حيث يشعر الكثير من الناس بالحاجة إلى استخدام العطر من أجل الشعور بالرضا وقد يرجع ذلك إلى وجود علاقة بين الرائحة والعاطفة وكذلك بين الرائحة والذاكرة، أضافة إلى أن بعض العطور يمكن أن تغير الحالة المزاجية وتخفف من القلق والتوتر

يعود استخدام العطور إلى آلاف السنين حيث نشأت منذ حوالي 4000 عام بين بلاد بين النهرين على شكل بخور وقد كانت الخلاصات العطرية الأصلية المستخدمة في صناعة العطور هي الأعشاب والتوابل مثل الكزبرة والآس ولم تُستخدم الزهور إلا بعد ذلك بكثير، ثم سافر فن صناعة العطور إلى مصر حيث كان يُستخدم في البداية فقط في طقوس الآلهة أو الفراعنة وقد كان نفرتم إله العطور لدى المصريين القدماء وفقا للأساطير بسبب ارتباطه بزهرة زنبق الماء الزرقاء ذات الرائحة الشديدة، وقد تم تسجيل الاستخدام الشخصي للرائحة لأول مرة من قبل المصريين الذين وضعوا الزهور والأعشاب والتوابل في أقماع الشمع التي كانوا يرتدونها على رؤوسهم وعندما يذوب الشمع يتدفق الخليط العطري ويعطرها. 

وقد قدم الفيلسوف والطبيب الفارسي ابن سينا عملية استخراج الزيوت من الزهور بالتقطير من خلال غلى الهريس السائل لفصل المواد الكيميائية ذات الخصائص المختلفة والتي ما زالت تُستخدم حتى اليوم. 

ويعد علم العطور هو الكيمياء والنتيجة العطرية هي الفن وخاصة في فرنسا حيث يتم التعامل مع ابتكار العطور على أنها فن عالي.

:كيف تتم صناعة العطور وما هي المواد الأولية اللازمة 

 أولا المواد الأولية : يتم استخدام المكونات الطبيعية مثل الزهور والأعشاب والتوابل والفواكه والخشب والجذور والراتنجات والبلسم والأوراق وإفرازات الحيوانات مثل الخروع الذي نحصل عليه من القنادس والمسك من الغزلان الذكور والعنبر من حوت العنبر، كما تُستخدم المواد الحيوانية كمثبتات تمكن العطر من التبخر ببطئ لكى تٌبعث الروائح لفترة أطول وكذلك يُستخدم الكحول لتخفيف المكونات في العطور كما تشمل المثبتات الأخرى على البتروكيماويات والفحم والقطران، والحقيقة أن حوالى 2000 نوع فقط - من أصل 250000 نوع من البناتات المزهرة المعروفة - يحتوي على الزيوت الأساسية لصناعة العطور فقد توجب استخدام المواد الكيميائية الاصطناعية لإعادة تكوين روائح المواد الغير دهنية، كما أن المواد التركيبية أيضا تخلق روائح غير موجودة في الطبيعة. إذن يمكننا تقسم المواد الأولية إلى :

  1. زيوت أساسية مشتقة من مستخلصات نباتية عطرية طبيعية أو مواد كيمائية عطرية مصنفة حسب المجموعة التركيبية ( مثل الكحوليات والإسترات والألدهيدات ).
  2. المثبتات وهي المواد الطبيعية أو الاصطناعية المستخدمة لتقيل معدل التبخر وزيادة قوة الرائحة وتحسين الاستقرار.
  3. المذيبات وهي السائل الذي يذوب فيه العطر (محلول المذيب النموذجى هو 98% إيثانول و2% ماء).

:ثانيا عملية التصنيع 

وتنقسم إلى 

أ‌- عملية تجميع وإحضار المكونات الأولية إلى مركز التصنيع، حيث يتم حصاد المواد النباتية من جميع أنحاء العالم وغالبا ما يتم انتقاؤها يدويا، كما يتم الحصول على المنتجات الحيوانية عن طريق استخراج المواد الدهنية مباشرة من الحيوان، وأيضا يتم إنشاء المواد الكيميائية العطرية المستخدمة في العطور الاصطناعية في المختبر من قبل كيميائي.

ب‌- عملية استخلاص الزيوت من المواد النباتية بعدة طرق وهي :

  •  التقطير بالبخار: تمرير البخار خلال المواد النباتية الموجودة في مكان ثابت حيث يتحول الزيت العطرى إلى الغاز ثم يتم تمرير هذا الغاز من خلال الأنابيب ويتم تبريده وتسييله، يمكن أيضا استخراج الزيوت عن طريق غلي المواد النباتية مثل بتلات الزهور في الماء بدلا من تبخيرها.
  •  الاستخلاص بالمذيبات: يتم وضع الزهور في خزانات أو براميل دوارة كبيرة ويتم سكب البنزين أو الأثير البترولي على الزهور حيث تذوب أجزاء الزهرة في المذيبات وتترك مادة شمعية تحتوي على الزيت ثم توضع في الكحول الإيثيلي فيذوب الزيت في الكحول ويتم استخدام الحرارة لتبخر الكحول والذي بمجرد تبخره بالكامل يترك تركيزا أعلى من زيت العطر. 
  •  الغشاء: حيث تُنشر الزهور على صفائح زجاجية مغطاة بالشحم، توضع هذه الصفائح الزجاجية بين الإطارات الخشبية في طبقات ثم تتم إزالة الزهور باليد وتغييرها حتى يمتص الشحم عطرها ثم تتم إذابته في الكحول كما في عملية الاستخلاص بالمذيبات.
  •  التعبير: وهو أقدم وأقل طريقة للاستخراج من خلال هذه العملية المستخدمة الآن في الحصول على زيوت الحمضيات من القشرة يتم الضغط على الفاكهة أو النبات يدويا أو ميكانيكيا حتى يتم عصر كل الزيت.
  •  المزج: بمجرد جمع زيوت العطور تصبح جاهزة للخلط معا وفقا لصيغة محددة، قد يستغرق الأمر ما يصل إلى 800 مكون مختلف وعدة سنوات لتطوير تركيبة خاصة للرائحة، بعد تكوين الرائحة يتم خلطها بالكحول، يمكن أن تختلف كمية الكحول في الرائحة بشكل كبير فمعظم العطور مصنوعة من حوالي 10-20 % من زيوت العطور الذائبة في الكحول والقليل من الماء، وتحتوي الكولونيا على ما يقرب من 3% إلى 5% من الزيت المخفف في 80-90%من الكحول. غالبا ما يستمر عمر العطر لعدة أشهر أو حتى سنوات بعد مزجه ويتم اختباره للتأكد من تحقيق الرائحة الصحيحة.


لقد ذكرنا أن العطور هي فن فمثل ارتباط الموسيقى بالأذن فأن العطور ترتبط بالأنف وكما يوجد نوتات موسيقية توجد أيضا نوتات عطرية ! فمزيج المكونات في العطر والذى يُسمى التكوين له ثلاث روائح تتكشف بمرور الوقت ويُطلق على النوتة الأولى اسم ( النوتة العليا ) أو ( نوتة الرأس ) وهى تنتج الانطباع الفوري للعطر حيث لها رائحة منعشة أو تشبه الحمضيات، تظهر (النوتة الوسطى أو القلبية) قبل أن تتبدد النغمات العليا وهي عبارة عن الزهور العطرية مثل الورد والياسمين وهي تستمر لمدة ساعة بعد استخدام العطر. 

أما النوتة الثالثة وهي النوتة الأساسية تظهر أثناء تلاشي النغمات الوسطى وغالبا ما تكون من المثبتات المستخدمة لتعزيز قوة المكونات العليا والوسطى الأخف وهي توفر رائحة دائمة. 

مراقبة الجودة

نظرا لأن العطور تعتمد بشكل كبير على حصاد المواد النباتية وتوافر المنتجات الحيوانية فإن العطور غالبا ما تصبح محفوفة بالمخاطر، فهناك حاجة إلى آلاف الزهور للحصول على رطل واحد فقط من الزيوت العطرية وإذا تم تدمير محصول الموسم بسبب المرض أو الطقس السئ فقد تتعرض صناعة العطور للخطر بالاضافة إلى ذلك نفس الأنواع من النباتات التي أثيرت في عدة مناطق مختلفة مع ظروف نمو مختلفة قليلا قد لا تنتج زيوتا بنفس الرائحة تماما، كما تواجهنا مشكلة جمع الزيوت الحيوانية فالعديد من الحيوانات التى قُتلت ذات مرة لزيوتها موجودة على قائمة الأنواع المهددة بالانقراض ولا يُمكن صيدها الآن فعلى سبيل المثال تم حظر منتجات حوت العنبر منذ عام 1977، إضافة إلى أن معظم الزيوت الحيوانية بشكل عام استخراجها صعب ومكلف، فمسك الغزلان من الغزلان الموجودة في التبت والصين، كما يتم الاحتفاظ بقطط الزباد المرباة في أثيوبيا للحصول على إفرازات الغدة الدهنية، وحصاد القنادس في كندا للحصول على الخروع. 

لذلك كانت الحاجة للعطور الاصطناعية والتي سمحت بمزيد من الحرية والثبات في مجال صناعة العطور على الرغم من أن المكونات الطبيعية تعتبر أكثر جاذبية إلا أن استخدام العطور والزيوت الصناعية حافظ على حياة العديد من الحيوانات.


:المصادر

ليست هناك تعليقات